مشروع مخطوطات البحر الميت

مشروع مخطوطات البحر الميت

يجمع المشتغلون بتاريخ الشرق القديم، وبتاريخ الأديان، وبتاريخ اللغات، وسواهم من العلماء على أن مخطوطات البحر الميت من أهم الوثائق التاريخية التي وصلتنا من الشرق القديم، مما حفز الباحثين في أنحاء مختلفة من العالم إلى العمل على نشرها ودراستها، حتى بلغ مجموع ما نشر عنها حتى الآن حوالي 5000 كتاب و80000 مقالة علمية. ومع ذلك، ظلت الجامعات ومؤسسات البحث العلمي في العالم العربي بعيدة البعد كله عن الاشتغال بهذه النصوص، حتى أن مجموع ما نشر عنها بالعربية منذ اكتشافها قبل ما يزيد على ستين عامًا لا يزيد على خمسين بحثا أو مقالة.

غير أن ثمة إشارات باتت تلوح في الأفق، تدل على تحول بالاهتمام بهذه النصوص، فقد تضمنت قائمة المشاريع البحثية المدعومة من صندوق دعم البحث العلمي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنية في شهر تشرين الثاني من عام 2008 دعمًا لمشروع عنوانه "التقييم والتحليل لمخطوطات البحر الميت، وأبعادها التاريخية، والدينية، والاجتماعية، والاقتصادية في إطارها الحضاري العام"، خصص له مبلغ مقداره 120 ألف دينار، ستنفق في تنفيذ مهام علمية مختلفة خلال مدة المشروع البالغة سنتين

وكان هذا المشروع قد ولد من رحم "لجنة مخطوطات البحر الميت ولفائف قمران" التي شكلها وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور خالد طوقان، في عام  2006، وعهد برئاستها إلى الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت، وضم إليها مجموعة من الأساتذة أصحاب الخبرة في النصوص القديمة والآثار، وهم: الأستاذ الدكتور معاوية إبراهيم، الأستاذ الدكتور محمد خير ياسين، الأستاذ الدكتور  زيدان كفافي، الدكتور فوزي زيادين، الدكتور عاصم البرغوثي، الدكتور عمر الغول، الدكتور موسى الكيلاني. وكلفت اللجنة المشار إليها الدكتور عمر الغول، وهو مدير المشروع الحالي، بإعداد خطة المشروع، وتقديمها لصندوق دعم البحث العلمي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فحازت الخطة دعم الصندوق في شهر تشرين الثاني من عام 2008.

 

أهداف المشروع

يسعى المشروع إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  • دراسة مخطوطات البحر الميت كنواة لتأسيس معهد يتولى دراسة الأديان، والمعتقدات، والفرق الدينية في بلاد الشام حتى نهاية القرن السادس الميلادي؛ إذ تعد مخطوطات البحر الميت إحدى أهم الاكتشافات الآثارية في العصر الحديث، فهي تشتمل على نصوص دينية تعاصر الفترة التي نشأت فيها الديانة المسيحية، وتشكَّلت فيها مؤسسات الديانة اليهودية، ممَّا يعد ذا صلة مباشرة بتاريخ بلاد الشام الديني والحضاري. 
  • تأسيس وحدة أبحاث في مجال مخطوطات البحر الميت، تتولى توفير أدوات البحث في هذا المجال العلمي، وفي مقدمتها:
  • تأسيس مكتبة مختصة تشتمل على الكتب والمقالات ذات العلاقة.
  • تقديم المشورة للجهات ذات العلاقة بموضوع المخطوطات، وخاصة وزارة التربية والتعليم ووسائل الإعلام. 
  • نشر الثقافة العامة بموضوع مخطوطات البحر الميت.

 

المساهمة الأردنية في دراسة مخطوطات البحر الميت

ظلت المؤسسات الأكاديمية العربية غافلة عن الاشتغال بمخطوطات البحر الميت حينًا طويلاً من الزمن، قطع العالم الأكاديمي خلالها أشواطًا بعيدة. وأول ما ينبغي عليها فعله للنهوض بهذه الدراسات السعي إلى إدراك الدراسات العالمية في هذا الباب المعرفي. مع العلم  أن هذا لن يتحقق ذلك، إلا من خلال تهيئة مختصين متمكنين من مناهج دراسة النصوص القديمة، وقادرين على محاورة الدراسات السابقة، ومتوافرين على أدوات البحث الضرورية، وفي مقدمتها المكتبات التي تضم النصوص الأصلية وما يتعلق بها من دراسات. ولعل أقرب المختصين إلى الاشتغال بهذا الموضوع هم خريجو قسم النقوش بكلية الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة اليرموك، والذين درسوا لغات الشرق القديمة، وفي مقدمتها العبرية والآرامية، وتدربوا في مناهج دراسة النصوص القديمة.

إلا أن الاشتغال العربي بمخطوطات البحر الميت ينبغي أن لا ينحصر في محاولة تقليد الباحثين الغربيين والنسج على منوالهم، فإن كان أكثر هؤلاء درس مخطوطات البحر الميت بوصفها نصوصًا دينية، ذات صلة مباشرة بالديانتين المسيحية واليهودية؛ فإن الموقف المعرفي العربي ينبغي أن يكون أكثر شمولية، فيتناول هذه النصوص في الإطار الحضاري العام للشرق القديم، فينبغي أن تُدرس النصوص من خلال المعلومات التاريخية والآثارية المتوافرة عن المنطقة عمومًا، وليست منسلخة عنها. ولتوضيح ما نقول نذكِّر بأن نصوص مخطوطات البحر الميت معاصرة للفترة التي عاش فيها الأنباط، وعاشت فيها القبائل التي خلفت الكتابات العربية الشمالية المسماة النقوش الصفوية والثمودية المنتشرة في الأردن وشمال جزيرة العرب، ومع ذلك، فلم يلتفت سوى قليل من الدراسات الغربية إلى هذه النصوص، لتأخذ ما فيها من معلومات بالحسبان عند دراسة مخطوطات البحر الميت.

كما أن الجوانب الدينية، على أهميتها، ليست هي الجوانب الوحيدة التي تستدعي الاهتمام بهذه النصوص، فمخطوطات البحر الميت، حالها كحال النصوص القديمة عمومًا، تشتمل، إضافة إلى ذلك، على معلومات اجتماعية واقتصادية، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، يمكن للباحث أن يفيد منها في فهم حياة المجتمعات في تلك الفترة.

ولا بد هنا من الإشارة بصورة خاصة إلى ضرورة الإفادة من اللغة العربية واللهجات المحكية في  فلسطين والأردن في دراسة لغة المخطوطات، وبخاصة آرامية النصوص غير التوراتية، كما ينبغي الإفادة من التراث الشعبي المحلي في الأردن وفلسطين في فهم الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للمخطوطات. فالاشتغال العربي بهذه النصوص ينبغي أن يندرج في باب السعي إلى فهم الذات، وتحديد سمات الهوية المحلية، بالاستناد إلى منهج مستقل في البحث.