نشر المخطوطات

نشر المخطوطات

حاز موضوع نشر مخطوطات البحر الميت، وما أصاب نشرها من تأخير شديد، اهتمامًا عامًا كبيرًا، حتى زاد على الاهتمام بموضوع المخطوطات نفسها في بعض الأحيان. وكان العلماء سارعوا أول الأمر إلى نشر ما اكتشف من مخطوطات. وخف الإسرائيليون كذلك، أول الأمر، إلى نشر النصوص اشتروها أو اكتشفوها، فنشروا بحلول عام 1955 ما كانوا وضعوا يدهم عليه منها.

وكانت دائرة الآثار الأردنية أدركت أن عدد النصوص المكتشفة كبير، يستحيل على باحث نشره منفردًا، ولم يكن من بين الأردنيين في ذلك الوقت مختصون في موضوع المخطوطات، فشكلت عام 1953 فريقًا علميًَا دوليًا من ثمانية أفراد ليتولى نشر النصوص المكتشفة في الكهف الرابع، وعُين الأب رولان دو فو Roland de Vaux، من الكلية التوراتية في القدس، رئيسًا للفريق. واتفق أن تنشر النصوص في مجلدات بعنوان "اكتشافات في الصحراء اليهودية" Discoveries in the Judean Desert، صدر المجلد الأول منها عام 1955. ونشر الفريق الدولي حتى عام 1967 ثلاثة مجلدات أخرى من السلسلة المشار إليها.

فلما احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967 وضعت يدها – خلافًا للقانون الدولي –  على المخطوطات الموجودة في المتحف الفلسطيني، والتي كان الفريق الدولي يعمل على نشرها بتكليف من دائرة الآثار العامة الأردنية، فانبتت صلة دائرة الآثار الأردنية  بعد احتلال الضفة الغربية بالفريق الدولي، والذي نشر  في العقدين التاليين خمسة مجلدات أخرى، ودام الأمر على هذا الحال حتى أواسط الثمانينات، حين بدأت الأوساط العلمية تشكو شكوى شديدة من التأخير في نشر المخطوطات، وتعترض على استئثار الفريق الدولي بحقوق نشر النصوص. وقد أُخذ على الفريق الدولي أنه أوكل لعدد قليل من الباحثين نشر قدر كبير جدًا من النصوص كان جليًا منذ البداية أنهم لن يطيقوا له نشرًا. ثم إن ثمة مَن اعترض على أن عضوية الفريق الدولي اقتصرت منذ البداية على المسيحيين، وأقصت اليهود عن دراسة مخطوطات البحر الميت. أما الإسرائيليون فجمعوا إلى هذا الاعتراض الأخير اعتراضًا سياسيًا، فأكثر مخطوطات البحر الميت بات منذ عام 1967 في حوزة إسرائيل، فما كانت ترضى أن تظل الولاية في نشرها ودراستها لسواها. وقد أنتجت هذه الأسباب مجتمعة جوًّا من الريبة بين الأطراف ذات العلاقة، فاتهم الفريق الدولي بتأخير النشر سعيًا منه إلى كتمان معلومات عن نشأة المسيحية يكره انتشارها. واتهم الإسرائيليون أيضًا بأنهم أعاقوا نشر النصوص لأن فيها عن الديانة اليهودية ما لم يرتضوا أن تعرفه الناس.

وقد أثمرت هذه الضغوط أول الأمر بأن زِيد عام 1984 عدد أفراد الفريق الدولي، جُعل من بينهم غير واحد من اليهود والإسرائيلييِن. وفي عام 1990   تولى الإسرائيليون نشر المخطوطات بأنفسهم، فيعنوا الإسرائيلي إيمانويل طوف Emanuel Tov رئيسًا للفريق الدولي، فوضع الإسرائيليون بذلك يدهم على عملية نشر المخطوطات كلها تقريبًا. وزاد طوف عدد العاملين في الفريق الدولي زيادة كبيرة، حتى بلغ عددهم وسط التسعينات نحو مائة وخمسين باحثا.

وحدث بعد ذلك بقليل التحول الرئيس في تاريخ نشر المخطوطات. فقد كان هناك  أكثر من جهة تلح منذ أواسط الثمانينات على الإسرائيليين للسماح للباحثين كافة بالاطلاع على مخطوطات البحر الميت غير المنشورة، وكان في مقدمة هؤلاء  هيرشيل شانكس Hershel Shanks رئيس تحرير مجلةBiblical Archaeologist Review. وترافق ذلك مع نشر بن تسيون واتشهولدر Ben Zion Wachholder ومارتين أبيغ Martin Abegg من كلية الاتحاد اليهودي Hebrew Union College بسينسيناتي استبناءً حاسوبيًا لمخطوطات البحر الميت التي لم تُنشَر بعد، مستعينَين بأصول حصلا عليها من نسخ موجودة لدى بعض أعضاء الفريق الدولي.

كل هذا أدى إلى ازدياد الضغوط على الفريق الدولي وعلى دائرة الآثار الإسرائيلية، فبدأت جهات عدة تنصاع للضغوط، فسربت جهات لم يُعلَن عنها، ويغلب أنها إسرائيلية، حوالي 1800 صورة لمخطوطات غير منشورة لروبرت آيزنمان Robert Eisenman من جامعة لونغ بيتش بكاليفورنيا، كما أن مكتبة هنتنغتونHuntington Library  بسان مارينو بكاليفورنيا أتاحت لكل "الباحثين المؤهلين" المجال للاطلاع على صور مخطوطات البحر الميت المحفوظة لديها على أفلام. فأدركت  دائرة الآثار الإسرائيلية والفريق الدولي أنه لم يعد ثمة بد من رفع القيود عن الاطلاع على ما لديها من مخطوطات ونشرها، فأعلنت إسرائيل عام 1991 عن فتح المجال للمهتمين جميعًا بالاطلاع على ما ينشر بعد من مخطوطات البحر الميت.

وقد أصدر الفريق الدولي في الفترة ما بين عامَي 1992 و2009 ثلاثة وثلاثين مجلدًا من مجلدات سلسلة "اكتشافات في الصحراء اليهودية "Discoveries in the Judean Desert التي تُنشَر فيها المخطوطات، بالإضافة إلى مخطوطات نشِرت في مواضع أخرى، بعد أن كان مجموع ما صدر منها في الفترة ما بين 1955 و1991 ثمانية مجلدات وحسب. وعليه فقد باتت مخطوطات البحر الميت كلها منشورة. ويعمل بعض الباحثين اليوم على إعادة دراسة بعض النصوص التي قد كانت نشرت مبكرًا بغرض إعادة نشرها في ضوء ما نشر من نصوص في العقود الماضية.

لغتها وخطها

كتب ما يقرب من ثمانين في المائة من مخطوطات البحر الميت بالعبرية، وكتب الباقي بالآرامية، خلا عدد قليل من النصوص كتب باليونانية. فقد استخدمت العبرية لكتابة النصوص الدينية على الرغم من أنها كانت لغة ميتة آنذاك؛ لأن الآرامية، لغة ذلك العصر، عُدت غير أهل لكتابة النصوص المقدسة، واقتصر استخدامها على النصوص غير التوراتية. واستخدم الكتاب الخط العبري القديم في كتابة بعض النصوص، وفي كتابة اسم الإله العبري "يهوه"، تنزيهًا له من أن يُكتب بالخط الآرامي المربع.

 

تأريخ المخطوطات

لما كانت مخطوطات البحر الميت في أكثرها نصوصًا دينية، فلم يُؤرخ الكتبة أيًا منها. كما أن النصوص لا تتضمن إشارات صريحة إلى أشخاص تاريخيين أو إلى أحداث تاريخية، فتسهل نسبتها إلى فترة تاريخية معينة. وقد اعتمد الباحثون على أدوات مختلفة في تأريخ المخطوطات من أهمها الخط، فأرخوها بحسب تطور الخط إلى فترة تبدأ في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد وتمتد إلى حوالي عام 70 ميلادية. وهذا التأريخ الأخير ناشئ عن الافتراض بأن النصوص خبأها كاتبوها في كهوف قُمْران عندما فروا إلى الكهوف هربًا من الجيش الروماني بعد الثورة اليهودية الأولى في فلسطين التي بدأت في حوالي عام 66 ميلادية.

وتأكد هذا التأريخ للمخطوطات باستخدام الطرق العلمية الحديثة في تأريخ المواد العضوية، فقد جاءت نتائج الفحوص بطريقة الكربون المشع 14 موافِقة للتأريخ الذي توصل إليه المختصون بتطور الخطوط، وأكدته كذلك اللقى الأثرية التي عثر عليها في خربة قُمْران، وخربة الفَشْخَة، وسوى ذلك من المواقع القريبة من كهوف قُمْران.

 

المواد التي كُتبت عليها

كتبت مخطوطات البحر الميت على مواد مختلفة، ويبدو أن طبيعة النص كانت عاملاً في اختيار مادة الكتابة، فأكثر نصوص العهد القديم كتب على الرق، في حين كتبت نصوص أخرى  على البردي. وفي حالة واحدة استخدم النحاس في كتابة "اللفيفة النحاسية"؛ فطُرقت الكتابة في النحاس طرقًا بدلاً من كتابتها على الرق أو البردي. ومن بين النصوص التي عثر عليها في المواقع الأثرية القريبة من البحر الميت نصوص مكتوبة بالحبر على الفخار، وهي ذات موضوعات إدارية واقتصادية.