مخطوطات البحر الميت وتاريخ العهد القديم

مخطوطات البحر الميت وتاريخ العهد القديم

قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت كان العهد القديم معروفًا لدينا من خلال نص واحد معتمد، أقدم نسخة وصلتنا منه ترجع إلى القرن التاسع الميلادي. إلا أن دارسي العهد القديم يتفقون، في كل حال، في أن نص العهد القديم في صورته اليوم، يمثل نتاجًا لمدارس فكرية ودينية عديدة، عملت فيه إضافة وحذفًا وتحريرًا، بحسب ما قضت نظراتها العقائدية، ولم ترفع هذه الاتجاهات يدها عن نص العهد القديم إلا في وقت ما من القرن الثاني قبل الميلاد يومَ عد الكهنةُ نص العهد القديم نصًّا مقدسًا، معتمدًا، ما عاد يمكن الحذف منه، أو الإضافة إليه، أو التعديل فيه.

فلما اكتشفت مخطوطات البحر الميت بما فيها من نصوص توراتية، انصب الاهتمام العلمي على معرفة موقع هذه النصوص من نص العهد القديم المعتمَد. فتبين للباحثين أن هذه النصوص توافق النص المعتمد في مواضع وتخالفه في أخرى. وربما كان السبب في المخالفة أن مخطوطات البحر الميت تأخذ عن نصوص مبكرة للعهد القديم، سبقت اعتماد النص التوراتي.  وربما يتمثل سبب آخر في مخالفة مخطوطات البحر الميت للنص المعتمَد في أن القول بوجود اتجاه ديني يهودي واحد ونص معتمَد واحد في فلسطين في الفترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي قول غير دقيق، فالنص المعتمَد يمثل، كما تدل مخطوطات البحر الميت، نصًا من نصوص عديدة للعهد القديم.

ولأهمية هذا الموضوع، وزيادة في الإيضاح، نضرب مثالاً عليه نص سِفر الخروج من العهد القديم. فقبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت كنا نعرف سفر الخروج من ثلاثة مصادر، هي النسخة المعتمَدة للعهد القديم، المسماة النسخة الماسُورية، وترجمة سفر الخروج إلى اليونانية ضمن الترجمة السبعينية التي أعدت في القرن الثالث قبل الميلاد، وهي تشبه النص الماسوري شبهًا شديدًا، إلا أنها تخالفه في مواضع كثيرة جدًا مخالفة يسيرة، مما يدل على أن الأصل الذي ترجمت عنه مختلف عن الأصل الذي وصلنا منه النص الماسوري. أما المصدر الثالث لسفر الخروج فكان النص الموجود في التوراة السامرية التي تُدخِل في نص السِفر مقتطفات من أسفار التوراة الأخرى

فلما اكتشفت مخطوطات البحر الميت تبين أن من بينها ستة عشر نصًا ذا صلة بسفر الخروج، واحد من الكهف الأول، وآخر من الكهف الثاني، وأحد عشر نصًا من الكهف الرابع، بالإضافة إلى نص من وادي مربعات. وقد تبين للدارسين أن النص الأخير مطابق للنص الماسوري، في حين أن أحد نصوص الكهف الرابع، والذي يتضمن الأصحاحات السادس إلى السابع والثلاثين من سِفر الخروج يشبه نص التوراة السامرية، لكنه لا يأخذ بما فيها من زيادات تتفق مع الطبيعة العقائدية لهذه الجماعة، كجعل التعبد على جبل جرزيم وصية من الوصايا العشر. وهذا يدل على أن النص القُمْراني والتوراة السامرية استندا إلى أصل واحد يسبق زمن انفصال السامريين العقائدي عن الخط الرسمي للعهد القديم، فلما انفصل السامريون أدخلوا في هذا الأصل تعديلات تتفق مع فهمهم العقائدي. وثمة نص آخر من الكهف الرابع يتضمن أجزاءً من الأصحاحات الخمسة الأولى من سِفر الخروج، وهو قريب جدًا من الترجمة السبعينية، مما يدل على أنهما استندا إلى أصل واحد. وبالإضافة إلى هذه النسخ من سِفر الخروج ثمة نصوص عديدة أخرى في مخطوطات البحر الميت غير توراتية، تعيد صياغة هذا السفر مدخلة فيه تعليقات ونصوصًا من خارجه.

 

مخطوطات البحر الميت وجماعة قُمْران

سعى الباحثون إلى معرفة الناس الذين خلفوا هذه النصوص في كهوف قُمْران، وما لبثوا أن تنبهوا إلى وجوه الشبه العديدة بينهم وبين جماعة الإسينيين الذين ذكرهم عدد من المؤرخين، من أهمهم المؤرخ اليهودي يوزيفوس في القرن الأول الميلادي. فقد كان هؤلاء وصفوا مكان سكنى الإسينيين، وعقائدهم، وممارساتهم اليومية، وموقفهم من الديانة اليهودية الرسمية التي كان يمثلها كهنة معبد القدس، على نحو يشبه كثيرًا العقائد والممارسات التي تذكرها نصوص قُمْران.

ورمت الدراسات منذ ذلك الحين إلى فهم عقيدة هؤلاء الناس التي كانت قائمة فيما يبدو على انتظار المخلص الذي سيأتي في آخر الزمان، وذلك بحسب التعاليم التي كان جاء بها "معلم الحق". والتزم هؤلاء في حياتهم نظامًا صارمًا في الطهارة، وكانوا يعدون أنفسهم إعدادًا حربيًا، وقيل إنهم كانوا جماعة من الرجال حصرًا، وإن دلت الدراسات في السنوات الأخيرة على احتمال وجود النساء في الجماعة أيضًا.

وعلى أية حال، فقد أعاد غير واحد من الباحثين في السنوات الأخيرة النظر في هذه النظريات. فيتساءل كثير من الباحثين اليوم إن كان يجوز النظر إلى هذه النصوص كلها على أنها "مكتبة" لجماعة دينية محددة؛ فالنصوص تشتمل على مفاهيم عقائدية متباينة يبعد أن تأخذ بها جماعة واحدة، بل إن الشك تطرق أيضًا إلى صلة النصوص المكتشفة في كهوف قُمْران بالآثار المكتشفة في خربة قُمْران وخربةالفَشْخَة القريبة منها؛ خاصة بعدما دلت التنقيبات الأخيرة على أن المبنى الذي حسبه المنقبون الأوائل غرفة لنسخ المخطوطات في خربة قُمْران قد يكون ورشة لصناعة الفخار، فذهب بعض الباحثين إلى أن المخطوطات كانت محفوظة في مكتبات مختلفة في القدس، أو في معبد القدس تحديدًا.  كما أن اعتبارات تاريخية وعسكرية أخرى تمنع في نظر دارسين آخرين من أن تكون جماعة خارجة على سلطة القدس قد تحكمت بتلك المنطقة الإستراتيجية تجاريًا وعسكريًا.

ومع ذلك كله يأخذ أكثر الباحثين اليوم بالرأي القائل بأن النصوص المكتشفة في كهوف قُمْران من نتاج جماعة واحدة، سكنت في خربة قُمْران، ويغلب أنها الجماعة التي أسماها المؤرخون القدامى الإسينيون.

 

مخطوطات البحر الميت ونشأة المسيحية

زادتنا مخطوطات البحر الميت معرفة بصلة الديانة اليهودية بأصول الديانة المسيحية. فتجد وجوه شبه عديدة ما بين العقائد والممارسات لدى جماعة قُمْران ولدى المسيحيين الأوائل؛ فالجماعتان تمارسان العُماد، ويتشارك الأفراد فيهما في الطعام والمال، كما توجد وجوه شبه أشد في تنظيم الجماعتين. بل، وزعم باحثون أن بعض نصوص قُمْران هي أصول لبعض نصوص العهد الجديد. ويرى أكثر الباحثين أن تعاليم قُمْران وتعاليم المسيحية الأولى ترجع إلى مصدر يهودي مشترك، دون أن تكون ثمة صلة مباشرة ما بين جماعة قُمْران والديانة المسيحية.

 

جوانب أخرى في مخطوطات البحر الميت

على الرغم من أن مخطوطات البحر الميت في أكثرها نصوص دينية، إلا أنها تتضمن معلومات كذلك عن القيم الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية والسياسية في ذلك الوقت. وتتخذ هذه المادة أهمية كبيرة نتيجة لتحول الاهتمام في العقود الأخيرة في مجالي علم التاريخ والآثار إلى الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للنصوص القديمة، بالإضافة إلى الأبعاد السياسية والتاريخية. وبدأ كثير من الباحثين في السنوات الأخيرة بعقد دراسات تتناول وضع المرأة والعلاقات الأسرية وسوى ذلك من المسائل الاجتماعية في مخطوطات البحر الميت.