أخبار الكلية

ورشة عمل

التراث الثقافي والمتاحف الأردنية

في خدمة احترام قيم التعددية الثقافية والدينية لدى طلبة المدارس

أعدت التقرير: عفاف زيادة

 

بالتعاون مع المعهد الفرنسي للشرق الأدنى IFPO والملحقية الثقافية في السفارة الفرنسية بعمان، تنفذ كلية الآثار والأنثروبولوجيا مشروع "التراث الثقافي والمتاحف الأردنية في خدمة احترام قيم التعددية الثقافية والدينية لدى طلبة المدارس". وفي سياق هذا المشروع عقدت الكلية ورشة عمل كُرست لإثارة النقاش حول دور التراث والمتاحف في تكوين المفاهيم المعرفية بشأن تعزيز واحترام قيم التعددية الثقافية والدينية لدى طلبة المدارس. وتأتي أهمية هذا المشروع في ظل ما تشهده المنطقة العربية من صراعات وحروب دامية أدت إلى تهديد وتفكيك الوحدة المجتمعية في البلدان المنخرطة بها بمسوغات دينية أو طائفية أو مذهبية. وفي مواجهة تلك التهديدات والحد من انتشارها؛ كان لا بد من تقديم رؤى وطرح برامج ومبادرات من شأنها إثارة الرأي العام، لا سيما لدى النشء الجديد، حول أهمية احترام التعددية والتنوع الثقافي والديني ودوره في الحفاظ على السلم الأهلي وتقدم المجتمعات وازدهارها.

وكانت ورشة العمل قد التأمت في 21/5/2017، بمشاركة مختصين في حقول الأنثروبولوجيا والآثار والمتاحف والصيانة والترميم والقانون والعلوم التربوية، وممثلين من دائرة الآثار العامة ووزارة السياحة والآثار ومديرية تربية إربد، إضافة إلى عدد من المهتمين والطلبة.

وقد قدم أ.د. عبد الحكيم الحسبان، عميد كلية الآثار والأنثربولوجيا ومدير المشروع، خلال الجلسة الافتتاحية عرضاً تعريفياً بالمشروع وخطة عمله وأنشطته المستهدفة، والتي مثلت هذه الورشة أولاها، وجاء الهدف منها وضع الأساس النظري والإطار المعرفي اللازم حول دور المتاحف والتراث الثقافي في نشر وتعزيز واحترام قيم التعددية الثقافية والدينية لدى طلبة المدارس وهم الفئة المستهدفة في هذا المشروع. أما النشاط الثاني؛ فيتمثل بتدريب الكوادر اللازمة التي ستقوم بدورها بتدريب طلبة المدارس، حيث سيجري خلال المرحلة الثالثة إشراك طلبة من ثلاثين مدرسة من محافظة الشمال لخوض تجربة في متحف التراث الأردني بالجامعة يتم من خلالها إثارة انتباههم إلى تنوع الثقافات التي أسهمت في تشكل التاريخ الحضاري للأردن.

توزعت ورشة العمل في جلستين رئيستين، تضمنت الأولى عرضاً تقديمياً للإطار النظري بهدف استخلاص موقف معرفي حول الدور الذي يمكن أن يؤديه المتحف بشأن تعزيز قيم التعددية الثقافية، حيث قدم مدير المشروع أ.د. عبد الحكيم الحسبان عرضاً للمفهوم النظري للمتحف بوصفه أداة جديدة لتعزيز قيم التعددية الثقافية والدينية، مستعرضاً أهم الملامح التي لازمت تاريخ البحث والتنقيبات الأثرية في الأردن منذ انطلاقها في النصف الأول من القرن العشرين، والتي بالرغم مما كشفت عنه من غنى وتنوع في تاريخ الأردن الحضاري؛ إلا أنها اتسمت بالنخبوية والانعزال عن المجتمع، مما نتج عنه سيادة مفهومين وخطابين متنازعين حول تاريخ الأردن، أحدهما خطاب علمي يقوم على استعادة الماضي من أجل الحاضر، وهو خطاب العلم والعلماء. أما الثاني؛ فخطاب شعبي لاعلمي يقوم في أذهان العامة على تمثلات نمطية وإيديولوجيا مسبقة ذات توظيفات سياسية أو دينية أسهمت في صوغها التيارات السياسية والدينية لاعتبارات ومصالح ضيقة، مما أنتج صورة تختلف إلى حد كبير مما هو لدى المختصين. فأصبحت صورة الماضي في أذهان العامة موضوع صراع في المجتمع الأردني بين السياسي من جهة والديني من جهة أخرى. إن القطيعة المعرفية بين الماضي والحاضر بصورتها الحالية، أو العلاقة القائمة على الاستغلال السياسي والديني بحثاً عن الشرعية، تشكل كل منهما منفردتين ومجتمعتين إلحاحاً شديد الوطأة على ضرورة إعادة النظر في الأطروحات النظرية بشأن العلاقة بين التراث الثقافي ودلالاته الماضوية وبين الحقوق الثقافية للفرد بمعناها المعاصر.   

لذا فإن المسؤولية تقع على عاتق علماء الآثار في توظيف المتحف والتراث الثقافي في توليد المعرفة وإنتاج خطاب جديد لإعادة فهم الماضي على أساس علمي بعيداً عن الإيديولوجيا المسبقة وما يتصل بها من الانتقائية والتهميش الثقافي وإقصاء الآخر؛ فالتاريخ تعددي، لكن التصور الإيديولوجي أحادي، وهنا خطورة قراءة التاريخ مؤدلجاً، إذ تصبح الأحادية المدخل إلى الصراعات والحروب الأهلية. وهنا تكمن أهمية هذا المشروع في تقديم تاريخ الأردن برواية علمية بعيداً عن التمثلات الإيديولوجية أو السياسية، وبما يعكس الهوية الحضارية للأردن، والتي تشكلت من خليط متنوع ومعقد عبر آلاف السنين. إن احترام التعددية ماضياً وحاضراً يعد الركيزة الأساس للدولة الحديثة بمفهومها الواسع والعميق.

وكان د. الحسبان قد عرض خلاصة النقاش النظري السائد في المجتمعات الغربية، والتي عرفت نشوء ظاهرة المتحف وتجذرها وسبقت غيرها من المجتمعات على هذا الصعيد. وبين د. الحسبان أن الموقف حول ظاهرة المتحف التي نشأت في القرن الثامن عشر يمكن تلخيصه في تيارين؛ فثمة تيار يرى في المتحف ثمرة غير بريئة من ثمار الحداثة الغربية، إذ يمثل المتحف إحدى أدوات العقل الرأسمالي، والتي استخدمت لتكريس القيم المتوحشة للرأسمالية، في حين يرى تيار آخر أن المتحف يمثل ثمرة إيجابية من ثمار عصر التنوير الأوروبي بالنظر إلى القيم الإيجابية التي يحملها المتحف ويمثلها.

ولخص د. الحسبان النقاش الثري الذي قدمه المفكر المابعد حداثي الفرنسي ميشيل فوكوه Michel Foucault، والذي يرى المتحف باعتباره فضاءً للاختلاف والتمثلات. وحيث يطلق فوكوه على هذا النوع من الفضاءات مصطلحHeterotopia ، وهي تلك الفضاءات التي تقوم وظيفتها على كسر الترتيب الخاص بالعالم الخارجي الذي نراه، وعلى تفكيك النظرة المعرفية السائدة والمتوارثة للكون؛ فإن المتحف وفقاً لفوكوه إن هو إلا "مكان يخلو من عنصر المكانية" Placeless place. وفي الدولة الحديثة، يصبح المتحف لدى فوكوه فضاءً للاختلاف، ويعيد ترتيب شبكة العلاقات داخل المدينة، وهو في الوقت ذاته فضاء خاص بالفرد كما بالجماعة والمواطنين، لذا فإن المتحف جزء من الفضاء العام الذي يسهم في تعزيز احترام قيم التعددية، وتدعيم أسس الدولة الحديثة والمواطنة.

وانطلاقاً من هذا الإطار المفهومي، أشار د. الحسبان إلى ضرورة إعادة تأهيل دور المتحف في إثارة وإغناء مفاهيم التعددية الثقافية عبر إنتاج خطاب جديد يقوم على تقدير التراث الثقافي وفهم الماضي من أجل الحاضر، وليس العكس؛ إذ إن معرفة الماضي ليست ذات أهمية معرفية ورمزية وحسب، وإنما اقتصادية كذلك.

أما الجلسة الثانية؛ فتضمنت حواراً أدارته سيادة الشريفة هبة المحمد، تبادل خلاله المشاركون الأفكار ووجهات النظر بشأن سياسات وتطبيقات مفاهيم التراث الثقافي في مجالات المتاحف والآثار والسياحة والمناهج التربوية لدى طلبة المدارس، واقتراح الآليات الملائمة لتطوير دور المتحف في تعزيز قيم التعددية الثقافية والدينية. وفي نهاية ورشة العمل، قدم المشاركون اقتراحاتهم وتوصياتهم بضرورة تفعيل التعاون بين المؤسسات المختلفة بهدف تعزيز دور المتحف والتراث الثقافي في إثارة الوعي العام بأهمية احترام مبادئ الديمقراطية وقيم التعددية الثقافية ودورها في حماية حقوق الفرد والمواطنة.